وحتَّى عندما ارتبك المسار لم يهتز اليقين. لأنني ساذجة؟ لأنني متفائلة إلى حد البلاهة؟ لأنني أؤمن بقشّة الغريق فلا أفلتها أبدًا من يدي؟ ربما، وإن كنت لا اعتقد ذلك؛ لأن الحياة في نهاية المطاف تغلب، وإن بدا غير ذلك. ولأن البشر راشدون مهما ارتبكوا او اضطربوا او تعثَّرت خطواتهم، ولأن التاريخ كما سبق أن قلت في مكان ما أشبه ببستان مكنون في باطن الأرض، له مسالكه وتعرُّجاته ومجاريه المتشابكه، ولأن النهايات ليست نهايات؛ لأنها تتشابك ببدايات جديدة، لا أفكر الآن في أبي وأمي وذريتهم الممتدة إلى عمر الصغير، أصغر الأحفاد ابن مصطفى وزوجته دينا، بل اتوسّع في الكلام ليشمل شهداءنا. أفكر في مينا دانيال، وعماد عفت، ومحمد محسن، وعلاء عبد الهادي، وجيكا، وأنس، والمئات الآخرين ممن نُقِلوا من المشرحة إلى مقابر تضم رفاتهم. وأعرف أن قبورهم لن تذهب بددا، تظل رسائلها الباطنية تسري في الأرض، تروي البُستان المكنون الذي يُفاجئنا بطرحِه.
لا يُشغلني موقعي من الإعراب في ثورة لم أُخطِّط لها، ولم أُشارِك فيها بشكل مُباشر بل غبت اضطرارًا عن كل نشاطاتها في شهورها الاربعة الاولى، وحين شاركت كانت المُشاركة خافته وهامشية؛ لأنني لم أتعاف تماما من مرضي؛ ولأنني ستينية، قُدراتي على الكرّ والفرّ محدودة؛ ولأن آداتي الأجدى والأكثر نفعًا (أعني الكتابة) بدت لي غير مُمكِنَة؛ لأنني هيَّابة، لا أثق في قُدرتي على إضافة جديد من خلالها، والأهم أنني كُنت أتوجَّس من فكرة القفز أمام أولئك الشباب وإعاقتهم أو إرباكهم، وإن حسنت النوايا، برؤية قاصِرة أو توجيهات تنتمي لجيل سابق وتجربة مُغايرة. ما يشغلني هو تأمُّل دفق الحياة من زمن إلى زمن، ومن جيل إلى جيل تال، يهدر بقانونه الخاص ويكتسب صفاء وقوَّة كلما حرص على استقلاله.
تساءلت إن كان الفارِق بين كاتِب التقارير البائس، والبلطجي مفتول العضلات مجرد فارق في نوع الوظيفة، أم هو فارِق بين زمنين واسلوبين، القمع المستور، والقمع المُعلَن؟ الأوَّل يلدغك كالحيَّة دون جَلبة أو صوت، والثاني فاجر في عدوانيته، يُطلِق صيحاته في وجهك ويُحرِّك ذراعيه على امتدادهما، يُرهبك بنظراته وصوته العالي قبل أن يُخرِج السكين الذي يطعنك بِه.